Make your own free website on Tripod.com

تنبيه الحذاق إلى بطلان حديث الافتراق

بقلم : حسن بن علي السقاف

 

إنَّ أعظم ما يشاع اليوم في سبيل تمكين النزاع بين المسلمين وتحاول أن تنشره وتغرسه في قلوب عامة المسلمين الجهات الساعية لتمكين الفرقة بين المسلمين وخاصة عند محاولات التقارب بين مذاهب المسلمين وفرقهم وأفكارهم حديث الافتراق الباطل سنداً ومتناً  الناص على أنَّ جميع فرق الإسلام في النار إلا فرقة واحدة وهي أحد الحروب أو قل الإرهاب الفكري المتسبب في ابتعاد المسلمين من بعضهم وخوف القرب من الفرق الهالكة في النار حسب تصوير هذا الحديث الموضوع المصنوع !!

ولا بُدَّ لي في هذا العجالة أن أتعرَّض لنقد هذا الحديث سنداً ومتناً وأبين أنَّ الاختلاف في الرأي والتفكير وبالتالي في مسائل الفروع ليس من موجبات التباغض والتدابر والفرقة واعتقاد ضلال الآخرين !!

فأقول : إن نصَّ حديث الافتراق هو : (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفرَّقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة )) رواه أحمد بن حنبل في مسنده (2/332) وغيره وفي رواية ابن ماجه (3993) وأحمد وغيرهما : (( كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة )) وفي روايةٍ للطبراني : (( ما أنا عليه اليوم وأصحابي )) .

وقد روي هذا الحديث من عدة طرق كما بينته بإسهاب في كتابي (( من فكر آل البيت صحيح شرح العقيدة الطحاوية )) ص (629-634) وأختصر ما ذكرته هناك في نقده على طريقة أهل السنة وحسب موازينهم الحديثية فأقول : 

1- رُوِيَ هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وهو ضعيف . قال يحيى بن سعيد ومالك : (( ليس هو ممن تريد )) وقال ابن حبـــــان: (( يخطىء )) وقال ابن معين (( ما زال الناس يتقون حديثه )) . وقال ابـــن سعـــــــد (( يُسْتَضْعَف )) .

2- وروي عن معاوية مرفوعاً وفي السند أزهر بن عبدالله الهوزني أحد كبار النواصب الذين كانوا ينتقصون سيدنا علياً عليه السلام وله طامات وويلات . قال الأزدي : يتكلّمون فيه وأورده ابن الجارود في كتاب الضعفاء .

3- وروي عن أنس بن مالك من سبعة طرق كلها ضعيفة لا تخلو من كذاب أو وضاع أو مجهول . [ أنظر كتابنا (( صحيح شرح الطحاوية )) حاشية 371 ص 629 ] .

4- وروي عن عوف بن مالك مرفوعاً وفي سند روايته عباد بن يوسف وهو ضعيف أورده الذهبي في ديوان الضعفاء برقم (2089) .

5- وروي عن عبدالله بن عمرو بن العاصي مرفوعاً عند الترمذي في السنن (5/26) وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف .

6- وروي عن أبي أمامة مرفوعاً عند ابن أبي عاصــــــم في (( السنة )) (1/25) وفي إسناده قطن بن نسير وهو ضعيف منكر الحديث .

7- وروي عن ابن مسعود مرفوعاً عند ابن أبي عاصم في سنته وفي سنده عقيل الجعدي . قال الحافظ ابن حجر في (( لسان الميزان )) (4/209) : (( قال البخاري منكر الحديث )) .

8- وروي عن سيدنا علي كرّم الله وجهه ممن رواه ابن أبي عاصم في كتابه (( السنة )) (2/467برقم995) وفي إسناده ليث ابن أبي سُلَيم وهو ضعيف جداً ، وحاله معروف عندهم . قال ابن حجر في التقريب برقم (5685) : (( اختلط جداً ولم يتميَّز حديثه فَتُرِك )) .

هذا من ناحية إسناده وأما من ناحية متنه فنقول :

نحن نجزم ببطلان هذا الحديث سواء بزياداته أم بدونها ، والتي منها (( كلها في النار إلا واحدة )) و (( كلها في الجنة إلا واحدة )) فبغض النظر عن هذه الزيادات نحن نقول بأنَّ أصل الحديث باطل للأمور التالية :

1- لأنَّ الله تعالى يقول عن هذه الأمة المحمدية في كتابه العزيز { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ويقول أيضــــــــــاً { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } فهذه الآيات تقرر أن هذه الأمة هي خير الأمم ، وأنها أوسطها ؛ أي : أفضلها وأعدلها ، وأما هذا الحديث فيقرر أنَّ هذه الأمة شر الأمم وأكثرها فتنة وفساداً وافتراقاً ، فاليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة ثمَّ جاء النصارى فكانوا شراً من ذلك وأسوأ حيث افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ، ثمَّ جاءت هذه الأمة فكانت أسوأَ وأَسوأَ حيث افترقت على ثلاث وسبعين فرقة ، فمعنى الحديث باطل بصريح القرآن الكريم الذي يقرر أن هذه الأمة خير الأمم وأفضلها .

2- ويؤكد بطلان هذا الحديث من حيث متنه ومعناه أيضاً أنَّ كلَّ من صنَّف في الفِرَقِ كتب أسماء فِرَق يغاير في كتابه لما كتبه الآخر ، ولا زالت تحدث في كل عصر فِرَقٌ جديدة بحيث أن حصرهم لها غير صحيح ولا واقعي ، فمثلاً كتب الشيخ عبدالقاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ كتابه في الفِرَق وهــــو (( الفَرْقُ بين الفِرَق )) ذكر فيه ثلاثاً وسبعين فرقة وقد حدث من زمانه إلى اليوم فرق أخرى ربما تزيد على أضعاف تلك الفِرَق التي ذكرها ، وقول من قال إنَّ ما استُحدث من الفرق الجديدة لا تخرج في مبادئها عمَّا ذكره غير صحيح بل باطل ، والواقع يرفضه ويثبت فساده .

3- أنَّ هذا الحديث خاصة بزيادته التي يتشبث بها المجسمة والنواصب والتي هي (( كلهم في النار إلا واحدة )) مخالف للأحاديث الكثيرة المتواترة في معناها التي تنص على أنَّ من شهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله وجبت له الجنة ولو بعد عذاب ، ومن تلك الأحاديث ما رواه البخاري (3/61/1186 فتح) : (( إنَّ الله قد حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )) ولفظ مسلم (1/63) : (( لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه )) .

والفرق المختلفة قليل منها يكفر ببدعته وأما أكثرها كالمعتزلة وغيرهم فإنهم لا يكفرون كما زعم بعض الناس حتى يستحقوا دخول النار لذلك نقل بعض الأئمة كالبيهقي وغيره إجماع السلف والخلف على الصلاة خلف المعتزلة ومناكحتهم وموارثتهم [ أنظر مغني المحتاج 4/135 ] .

4- أنَّ متن هذا الحديث مضطرب ففي بعض طرقه (( ألا وإنَّ هذه الأمة ستتفرق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء )) رواه ابن أبي عاصم (69) وفي بعضهـا : (( فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار )) رواه ابن أبي عاصم (63) وفي بعضها : (( لم ينج منها إلا ثلاث )) رواه ابن عاصم (71) وفي بعضها : (( كلها في النار إلا السواد الأعظم )) رواها ابن أبي عاصم (68) .... !!

وفي بعضها كما عند ابن حبان (15/125) قال : (( إنَّ اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة والنصارى على مثل ذلك ... )) .

وتلاعب بعضهم في متن هذا الحديث أكثر فذكر في آخــره : (( من أخبثها الشيعة )) وبعضهم قال (( شرهم الذين يقيسون الأمور بآرائهم )) يشير إلى الحنفية أتباع الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وفي بعض رواياتهم التالفة : (( كلهم في الجنة إلا القدرية )) وفي بعضها (( إلا الزنادقة )) وهكذا !! وكل ذلك كذب وافتراء على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم .

وإذا دقق الباحث بالأخص وكذا القارىء والسامع في هذه الألفاظ واستعرضها جيداً فيمكن أن يعرف من أين جاءت .

5- وقد وقع في بعض روايات هذا الحديث : (( كلهم في النار إلا ملة واحدة ، قالوا ومن هي يا رسول الله قال : ما أنا عليه وأصحابي )) وهي رواية الترمذي (5/26) من حديث عبدالله بن عمرو ، وفي رواية : (( ما عليه الجماعة )) .

قلت : وهذا باطل من القول :

أولاً : من جهة الإسناد فإنه ضعيف كما تقدّم .

وثانياً : أن عبارة (( ما عليه أنا وأصحابي )) لا يعقل أن يصح صدوره منه صلى الله عليه وآله وسلم لأمور أذكر واحد منها :

وهو أنَّ الصحابة افترقوا في عهد رابع الخلفاء الراشدين سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه إلى ثلاث فرق ، فرقة مع سيدنا علي عليه السلام وهي التي على الحق بنصوص الأحاديث الكثيرة المقطوع بها .

وفرقة قعدت ولم تناصر رابع الخلفاء الراشدين الذي هو إمام أهل الحق ولم تقاتل مع أحد من الفريقين وقد ندم أفرادها وهم قلائل على القعود بعد ذلك .

وفرقة مع معاوية وحزبه وهي الفئة الباغية بنص الحديث الذي رواه البخاري (1/541) و (6/30) ومسلم (4/2235/2915) والذي فيه :

(( عمــار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار )) وهذا لفظ البخاري في صحيحه .

فعبارة (( ما عليه أنا وأصحابي )) في حديث الافتراق مع أي فرقة من هذه الفرق الثلاث تكون ؟!

فالذي أقوله أخيراً : أن حديث الافتراق هذا الذي جعل المسلمين يتباغضون ويتباعدون ولا يتقاربون ويعتقدون في مخالفيهم أنهم من أصحاب النار باطل سنداً ومتناً !! ولبني أمية اليد الطولى في وضعه !!

فنحن لا ننكر أنَّ هناك افتراق ولا ننكر وجود فرق متخالفة في آرائها ولكننا ننكر التعداد لها بثلاث وسبعين وننكر كونها في النار وننكر كل ما يفيده هذا الحديث من أفكار وأهمها أنَّ هناك فرقة واحدة ناجية وهي ما يسمونه بالفرقة الناجية !! واحتكار دخول الجنة على أفراد هذه الطائفة المزعومة !! وتجذير الخلاف باعتقاد أنَّ كل مخالف من مذهب آخر أو فرقة أخرى لا بد أن يكون في النار !! فهذا الذي ننكره ونجزم ببطلانه حسب المقاييس العلمية الثابتة !!

أما موضوع الاختلاف والافتراق والفرقة : فمن المعلوم أنَّ الاختلاف في وجهات النظر والاختلاف بين المذاهب والفرق في الفروع سواء أكانت في فروع الاعتقاد أم في الفقهيات والأمور الأخرى فهي لا توجب التضاد والفرقة والتنافر على التحقيق خلافاً لما يصنعه ويسلكه كثير من الناس اليوم وفي السابق حيث نجدهم يتحالفون مع أعداء الله تعالى ويتوادون ويتألفون معهم والخلاف بيننا وبينهم خلاف أصلي في أصول الاعتقاد بينما نجدهم ينظرون إلى بقية إخوانهم المسلمين أنهم الأضداد والاعــداء !! وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل إما على الجهل في الدين والمعتقد أو على تمكن الأهواء والشهوات في النفوس وحب الدنيا والتعلّق بها أو كلا الأمريــــن ! نسأل الله تعالى السلامة .

قال الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه (( المفردات في غريب القرآن )) :

(( الاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقاً غير الآخر في حاله أو قولـه ، والخلاف أعم من الضد لأنَّ كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين ، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلــة )) .

قلت : والاختلاف منه ما هو جائز ومحمود ، ومنه ما هو محرّم ومذموم ، وقد جاء ذكر كل من القسمين في القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة فلنذكر بعض النصوص التي وردت في ذلك :

أولاً : النصوص التي فيها تجويز الاختلاف ومدحه :

قال الله تعالى { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } البقرة : 213 .

وقال تعالى : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة علـــى أصولهــا فبـإذن الله } الحشر : 5 . وقد كان الصحابة اختلفوا في قطع الأشجار وهدم البيوت على بني النضير ، فقطع قوم منهم ، وترك آخرون ، قال الإمام الماوردي رحمه الله تعالى : إنَّ في هذه الآية دليلاً على أنَّ كل مجتهد مصيب . [ نقلــه عنــــه القرطــــبي في تفسيره 18/8 ] .

وقال تعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان وكلاً آتينـــــــا حكمـــاً وعلمــــاً } الأنبياء : 79 .

وكان كل منهما عليهما الصلاة والسلام قد خالف الآخر في حكمه فحكم بشيء مخالف للآخر .

وفي صحيح البخاري (2/436) عن ابن عمر قال :

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنا لـمَّا رجع من الأحزاب : (( لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة )) فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي لم يُرِدْ منا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يُعَنِّف واحداً منهم ، ومعلوم أنه لا يقرهم على باطل !!

وفي البخاري (9/101/ برقم5062) عن عبدالله بن مسعود أنه سمع رجلاً يقرأ آيةً سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ خلافها ، فأخذتُ بيده فانطلقتُ به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (( كلاكما مُحْسن )) . 

وروى البخاري (13/318/ برقم 7352) ومسلم (3/1342/1716) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

(( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمَّ أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثمَّ أخطأ فله أجر )) .

وهذا يدل أنَّ العلماء المختلفين وهم المقصــــودون بقولـــــه ( الحاكم ) وهو الفقيه المجتهد المؤهل للنظر يثاب سواء أخطأ أم أصاب لأنَّ غايته الوصول للحق ولرضى الله تعالى ، وهو وإن خالف المجتهد الآخر واختلف معه في حكم المسألة فهو مثاب ومأجور رغم وقوع الخلاف بينهما في القضية !!

هذا وقد اختلف الصحابة وأكابر العلماء المتفق على جلالتهم وورعهم وعلمهم في مسائل كثيرة ولم يكن ذلك دالاً باتفاق على أنهم كانوا على ضلال .

النصوص التي فيها تحريم الاختلاف وذمـــه :

قال الله تعالى : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم } آل عمران : 19 . وقال الله تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم } آل عمران : 105 .

وقال تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا } آل عمران 103 .

وروى البخاري (13/251) ومسلم (2/975) عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( ذروني ما تركتكم فإنما هلك مَنْ كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه )) .

ضابط الاختلاف الجائز والاختلاف المحرَّم :

نستفيد من قوله تعالى { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم } آل عمران : 19 .

أنَّ عُنْصُرَ الفُرْقَةِ المذموم في الاختلاف هو البغي !! فإذا وجد الإخلاص والصدق ، وخلا القلب عن البغضاء والحسد والظلم وحب الرياسة وإظهار التفوق والسيادة وحب قهر الغير ، وكان القلب وضمير المرء مهموماً بخدمة الدين وإعلاء الحق والشفقة على المسلمين وإنصاف المظلومين وما إلى ذلك من العناصر المضادة للبغي كان الاختلاف جائزاً بشرط أن لا يخرج عن إطار الشرع واللغة والضوابط المعروفة عند أهل العلم ، وإلا كان محرماً مؤدياً إلى محرم أكبر ألا وهو التفرّق والشحناء والانقسام إلى شيع وأحزاب { وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ، فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون ، فذرهم في غمرتهم حتى حين } المؤمنون : 54 .

ومتى تبين للمسلمين بالعلم أو بالقرائن أنَّ دافع المخالف اتباع الهوى أو الترخص لشهوة النفس أو الطمع في أمر دنيوي يضاد المقصد الأسمى الذي هو رضى الله تعالى ، أو يضاد مبدأ خدمة الدين وحراسته وصيانته ، أو أنَّ المخالف بعيد عن حب الأُلْفَة والرحمة والمحبة لعباد الله والاجتماع على طاعته ورضاه كان خلافه مذموماً وكان صاحبه خاسراً لا يجوز لإنسان أن يوافقه أو يؤيده أو يسير معه أو يناصره .

وقد يختلف اثنان فيكون كل منهما مخطىء مــــوزور ، قـــال الله تعالى : { ذلك بأنَّ الله نزَّل الكتاب بالحق وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيـــد } البقرة : 176  وقال تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكــــون } التوبة : 30 .

فهذه الآيات واضحة في أنَّ هاتين الفرقتين اختلفتا وأنَّ كلاً منهما على ضلال وكفر .

وقد يختلف اثنان فيكون أحدهما مصيباً على هدى والآخر مخطئاً على ضلالة ، قال الله تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر } البقرة : 253.

وقد يختلف اثنان فيكون كل منهما على صواب وهدى كما تقدّم من بعض الأدلة التي سقناها والتي منها إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمختلفين في صلاة العصر في الطريق إلى بني قريظة وفي القراءة عندما قال عليه الصلاة والسلام : (( كلاكما محسن )) .

ما هو المطلوب الواجب عند وجود الخلاف في الرأي والتنازع :

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً } النساء : 59 .

معنى { أولي الأمر } في الآية هم العلماء الفقهاء ، قال القرطــبي في تفسيره (5/259) :

(( قال جابر بن عبدالله ومجاهد { أولو الأمر } أهل القرآن والعلم وهو اختيار مالك رحمه الله ، ونحوه قول الضحاك قال : يعني الفقهاء والعلمـاء في الديــن )) . وقال بعد ذلك أيضاً :

(( أمر الله تعالى بردِّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة ، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجباً وامتثال فتواهم لازماً )) .

فلذا يجب شرعاً على من رأى خلافاً أن لا يعتزل الأمر وأن لا يبعد عنه ، بل يجب عليه أن يعرف قول كل من الـمُخْتَلِفَينِ وأن يجتهد في معرفة الحق حتى يقوله ويبدي رأيه فيه ويقوم بالإصلاح إن كان مطلوباً شرعاً ، فإن كان الحق مع أحد المختلفين وجب أن يناصره ويقف معه ، وإذا كان الحق ليس معهما فيجب عليه أن يبين لهما الحق بأي وسيلة يراها ناجحة وصواباً ، ثمَّ إن أذعنا للحق فيجب عليه أن يصلح بينهما . والدليل على ذلك قوله تعالى { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ولا يتم الصلح إلا بعد فهم القضية الدائرة بينهما ومعرفة الحق فيها ، وبعد معرفة الـمُـحِقِّ من الـمُبْطِل { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } أنظر كيف أمر المسلمين والمؤمنين أن لا يتركوا اقتتال الفئتين الناشىء عن اختلافهم بل أمر سبحانه بمحاربة الفئة الباغية ومناصرة الـمُحِقَّة منهما والوقوف معها وإرغام الباغية على الرجوع للحق وعدم ترك هذا الأمر على الدوام إلى حين رجوع الفرقة المخطئة { فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنَّ الله يحب المقسطين } الحجرات : 9 . أمر سبحانه بإزالة الشحناء والفرقة كما أمر بالرضوخ للحق وحمل الجميع على التحاب فيما بينهم وعلى الأُلْفَةِ إذا عادت الفئة الباغية ورضخت للحق ، وفي هذا دليل واضح على ما ذكرناه وبينَّاه .

ولا يلزم من نصرة المحق على الباغي الاجتماع بالأبدان إذ قد يتعذَّر ذلك لبعد المسافات وتنائي الأقطار والواجب من ذلك نصرة فكرة المحق وشرحها وبيانها للناس سواء بالخطابة أو بالتأليف والتصنيف أو بغير ذلك من الوسائل التي توصل صحة الفكرة للناس جميعاً .